عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
335
اللباب في علوم الكتاب
- عليه الصلاة والسلام - : « يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ » فلو لم يدخلون في النّور لم يخرجهم من الظّلمات إلى النّور ، ولو لم تدخل الغاية في المغيّا ، لما أدخلوهم في النّور . فصل [ في أن هذه الآية صريحة في أنّ اللّه سبحانه وتعالى هو الّذي أخرج الإنسان منالكفر ، وأدخله في الإيمان ] فإن قيل : هذه الآية صريحة في أنّ اللّه سبحانه وتعالى هو الّذي أخرج الإنسان من الكفر ، وأدخله في الإيمان ، فيلزم أن يكون الإيمان بخلق اللّه تعالى ؛ لأنّه لو حصل بخلق العبد ، لكان العبد هو الذي أخرج نفسه من الكفر إلى الإيمان وذلك يناقض صريح الآية « 1 » . أجاب المعتزلة بأنّ هذا محمول على نصب الأدّلة وإرسال الأنبياء ، وإنزال الكتب ، والتّرغيب في الإيمان ، والتّحذير عن الكفر بأقصى الوجوه : قال القاضي « 2 » : وقد نسب اللّه الإضلال إلى الصّنم بقوله تعالى : رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ [ إبراهيم : 36 ] ، لأجل أنّ الأصنام سبب بوجه ما لضلالهم ، فبأن يضاف الإخراج من الظّلمات إلى النّور إلى اللّه تعالى مع قوّة الأسباب التي فعلها بمن يؤمن أولى . والجواب : من وجهين : أحدهما : أنّ هذا حمل للّفظ على خلاف حقيقته . الثاني : أنّ هذه التّرغيبات إن كانت مؤثرة في ترجيح الدّاعية ، صار الرّاجح واجبا والمرجوح ممتنعا ، وحينئذ يبطل قولهم ، وإن لم تؤثر في التّرجيح لم يصحّ تسميتها بالإخراج . قوله تعالى : « وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ » : « الذين » مبتدأ أول ، وأولياؤهم مبتدأ ثان ، والطّاغوت : خبره ، والجملة خبر الأوّل . وقرأ « 3 » الحسن « الطّواغيت » بالجمع ، وإن كان أصله مصدرا ؛ لأنه لمّا أطلق على المعبود من دون اللّه اختلفت أنواعه ، ويؤيّد ذلك عود الضمير مجموعا من قوله : « يخرجونهم » . قوله : « يخرجونهم » هذه الجملة وما قبلها من قوله : « يخرجهم » الأحسن ألّا يكون لها محلّ من الإعراب ، لأنّهما خرجا مخرج التفسير للولاية ، ويجوز أن يكون « يخرجهم » خبرا ثانيا لقوله : « اللّه » وأن يكون حالا من الضّمير في « وليّ » ، وكذلك « يخرجونهم » والعامل في الحال ما في معنى الطّاغوت ، وهذا نظير ما قاله الفارسيّ في قوله تعالى : نَزَّاعَةً لِلشَّوى [ المعارج : 16 ] إنها حال العامل فيها « لظى » وسيأتي تحقيقه إن شاء اللّه تعالى و « من » [ و ] « إلى » متعلّقان بفعلي الإخراج .
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 7 / 17 . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 7 / 17 . ( 3 ) انظر : المحرر الوجيز 1 / 345 ، والبحر المحيط 2 / 294 ، والدر المصون 1 / 618 .